تخطي أوامر الشريط
التخطي إلى المحتوى الأساسي
لمحات من تاريخ المجالس
تم تحديث الصفحة في: 16/02/2013 07:59 م
المسيرة الديموقراطية
لقد حفلت البحرين بحضارة تضرب جذورها في أعماق التاريخ فيما قبل الميلاد، وفي العصور العربية قبل الإسلام ، وفي العصور الإسلامية، وأن هذه الصفة الحضارية التي اشتهرت بها البحرين بين دول الخليج لم تنقطع ، بل استمرت حتى الزمن المعاصر، وذلك بالرغم من سيادة التنسيق القبلي التقليدي فيه والمستمد من النظام السائد في الجزيرة العربية.
f710044bf79a4b1f5d8b085e5e5d9711_S.jpgفالاتصال منذ القدم بالدول المتحضرة المجاورة وغير المجاورة قد أكسب البحرين انفتاحاً على العالم ، مستمداً من طبيعة موقعها كجزيرة ذات مجتمع تجاري ، ومن استعداد شعبه وحكامه للتفاعل والتكيف مع الثقافات الجديدة الوافدة مما أسفر ظهرت نتائجه بصورة واضحة في مجالات النشاط الحضري والثقافي والفكر في العصر الحديث . وكما كان موقع البحرين التجاري الاستراتيجي ميزة من ناحية التطور الحضاري إلا أنها حمل في طياتها الخطر المستمر والناشئ عن الصراع بين الدول المتنافسة عليه مما أسفر في نهاية المطاف عن استعمار بريطانيا لهذه الجزيرة وإدخالها ضمن الحماية البريطانية.
ولقد تمثل التنافس الدولي في البحرين من الناحية التاريخية في سلسلة متعاقبة من الدول صاحبة النفوذ في فترات التاريخ المختلفة . فلقد خضعت البحرين للسيطرة البرتغالية من عام 1507م إلى عام 1622م، ومن ثم خضعت البحرين تحت إمرة الأسر العربية لرعاية فارسية متقطعة من عام 1622م إلى عام 1783 م أي حينما طرد الفرس البرتغاليين من الجزيرة، واستمر الحال على هذا الشكل إلى مجيء العتوب عام 1783م ،بداية التاريخ السياسي الحديث للبحرين الذي يبدء بحكم آل خليفة عام 1783م، الذين استقر آل خليفة في شبه جزيرة الزبارة من ساحل قطر حيث أقاموا مجتمعهم السياسي الأول ، وأسسوا فيها ومنها حكمهم بدؤوا في التطلع نحو الجزيرة البحرين، المواجهة لهم، حيث قام الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة ( الملقب بأحمد الفاتح) بعد أن سنحت له الفرصة بعد محاولات عدة قام بها من طرد الفرس في 18 يوليو سنة 1783م، ومنذ ذلك التاريخ أصبح آل خليفة هم ولاة الأمر في البحرين وبذلك يعتبر هذا التاريخ نهاية النفوذ الفارسي على الجزر.
لقد عمل آل خليفة منذ تسلموا زمام الأمور في البحرين على الدفاع عن حكمهم ضد مختلف الطامعين ، حتى انتهى الأمر بقيام بريطانيا بالمحافظة على ما سمي بالوضع الراهن في منطقة الخليج والذي استمر حتى الاستقلال، حيث ربطت بريطانيا معظم دول الخليج بمعاهدات صداقة. والحماية البريطانية في البحرين تمتد بصورة رسمية في الفترة ما بين عام 1880م حتى 1971م ، غير أن هناك ارتباطات واتفاقيات سابقة، عقدها شيوخ البحرين مع ممثلي بريطانيا في الخليج، وذلك في الفترة ما بين عام 1820م حتى 1968م.
أما عن مظاهر الشورى في البحرين ، فهذا المنهج الإسلامي كان مطبقا من الوجهة العملية والواقعية ، ولا شك أن الشورى في العهود السابقة لهذه البلاد ، إنما كانت بسيطة وليست معقدة ، فلم تخلو تلك العهود من الظروف التي تتطلب عقد المجالس للتشاور فيما يهم قضايا البلاد، وقضايا المجتمع ، والسعي لحلها ومعالجتها، فكانت مجالس حكام البحرين مفتوحة للمواطنين ، للالتقاء بأفراد الشعب والمساهمة في حل مشاكلهم ، والاستئناس بآرائهم في القضايا التي تهم البلاد ، ولا زال هذا الوضع قائماً إلى يومنا هذا.
لقد كان مؤسس البحرين الأول الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة ( أحمد الفاتح) يمتثل بقول الله عز وجل ( وشاورهم في الأمر) ، فإنه لم ينفذ أمراً مهماً إلا بمراجعة الأفاضل من العلماء وبمشورة الوزراء الأتقياء . فأتخذ من الشورى مبدءاً لحكمة البلاد . وسار حكام البحرين من بعد الشيخ أحمد الفاتح على نهجه وسياسته التي اختصها لنفسه ولمن بعده.
وتعتبر الفترة من عام 1880 إلى 1971م ، الفترة الحاسمة في التاريخ البحريني، إذ لابد من إبراز حقيقة هامة تركت بصماتها في تاريخ البحرين وكانت لها آثارها الملموسة، فرغم ما ترتب على الوجود البريطاني في البحرين من آثار سلبية، إلا انه حمل في طياته في ذات الوقت مظاهر تحديث إيجابية كان من نتائجها قيام مؤسسات إدارية تنظيمية أسهمت في إدارة شؤون البحرين بالتعاون مع الحاكم وفق أحدث الأسس العصرية كإقامة بعض التنظيمات والهيئات التي تعبر عن الحكم غير المباشر على نحو أسرع بخطى التقدم السريع فيها رغم قلة إمكانياتها . وبعبارة أخرى فالتأثر بالتنظيمات الحديثة المستقاة في بعض جوانبها من النظام البريطاني كان عاملاً مساعداً على بلوغ درجة من الوعي والنظام في مرحلة ما قبل الاستقلال ، أتاح للبحرين الاستفادة منها في عهد الاستقلال. وكانت بداية هذا التحديث في عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة ( 1286-1351هـ ، 1869-1932م) . ومن النظم الإدارية إنشاء المجالس البلدية (1919-1920م) والتي كانت تقوم بمهام كثيرة من الشؤون الإدارية. وكان المجالس البلدي مكون من ثمانية أعضاء معينين من قبل الحكومة ثم زيد عددهم إلى 24 عضواً وانتخب الأهالي بعضهم (1926م) .
وأهم حدث يعتبر نقلة تاريخية في عهد الشيخ عيسى بن علي، هو مطالبة عدد من كبار رجال البحرين في عام 1919م ، الشيخ عيسى بن على ان ينشئ لهم مجلساً يضم رؤساء الدوائر، واتخاذ الأسباب اللازمة لحفظ حقوقهم فاستجاب الحاكم لطلبهم ، وتعهد بالأخذ بنظام الشورى طبقاً للشريعة الإسلامية ، وكتب عهداً بهذا المعنى ، وأخذ منهم عهداً بالسمع والطاعة ولزوم أوامره ما دام الحاكم متبعاً لمشورة ذلك المجلس . ولم تلق الفكرة قبولا لدى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين، وأجهض هذه الفكرة في بدايتها بعد إنشاء هذا المجلس، مما أثار حفيظة كبار رجال البحرين، فعقدوا مؤتمراً وطنياً عام 1920م.

واتخذوا فيه قرارات أبرزها: 1- أن تجري الأحكام جميعها على الشرع الإسلامي وعلى القانون المرضى الذي هو من الشرع الإسلامي ومطابق إليه. 2- انتخاب مجلس الشورى من عموم أهل الوطن ينظر في مصالح البلاد. 3- تشكيل محكمة لدعاوي الغوص ( استخراج اللؤلؤ).
إلا أن بريطانيا لم تستجب لذلك، ولم يكتب لهذه التجربة منذ بدايتها النجاح. إلا أن منهج الشورى بالطريقة السابقة ، كان مطبقاً من الوجهة الواقعية والعملية. واستمر الوضع على عقد المجالس في تلك الفترة، وهو من التقاليد القبلية التي ذاعت وانتشرت حتى غدت من سمات المجتمع البحريني، بما يمثله من نظرة حضارية في علاقة الحاكم والمحكومين ، وفي تلمس الحاكم نبض المواطنين واهتماماتهم وقضاياهم، حتى يكون على بينة من مجريات الأمور والأحداث، فتأتى المعالجات على نحو يتسم بالواقعية . إضافة إلى تبني نظام " المختار" وهو نظام يقوم على أساس اختيار القبيلة لشخص ليكون بمثابة حلقة الوصل بين المواطنين والجهات القائمة على الحكم، ويقوم بعرض مطالبهم على الجهات الأخيرة وصولا إلى الاستجابة لها ، وعرض مقترحاتهم عليها للاستفادة بها.
ولقد صدر في عام 1919م قانون بلدية المنامة، ونص فيه على حق الحاكم بتعيين أعضاء المجلس البلدي ، وقد تكون المجلس البلدي الأول من نائب رئيس وثمانية أعضاء . و استمر هذا الوضع حتى عام 1924م تقريباً حتى أدخلت بعض التعديلات على قانون البلدية ، عندما زيد عدد أعضاء المجلس إلى عشرين عضواً يجرى تعيين عشرة منهم من قبل الحكومة، والعشرة الآخرون ينتخبون بالاقتراع السري من قبل أفراد الشعب الذين لهم التصويت . وتعتبر هذه الانتخابات الأولى في البحرين.

فالبداية المبكرة لنظام الانتخاب في البحرين ، قد ساعدت على نمو الوعي الشعبي فيها ، وتحقيق قدر من المشاركة الشعبية في إدارة شؤون البلاد. ومن الجدير بالملاحظة انه قد سمح للنساء في البحرين بالاشتراك في الانتخابات وإعطاء أصواتهن لمن يرشحنه من مناطقهن، وبذلك تكون المرأة البحرينية قد سبقت شقيقاتها العربيات في ممارسة هذا الحق.
ولقد أدى نجاح النظام الجديد في تكوين المجلس البلدي، وازدياد المشاركة الشعبية في انتخاب أعضائه إلى تعميم التجربة في المدن الأخرى، فتكونت المجالس البلدية في مدن المحرق والحد والرفاع وغيرها من المدن البحرينية . كما أن التطور الذي أصاب النظام البلدي في المدن الأربع قد شجع الحكومة على أن تتخذ الخطوات اللازمة لإدخال هذه المجالس في محيط القرى، نتيجة لما لمسته الحكومة في وجود الاستعداد والرغبة الملحة من قبل سكان القرى إلى قبول هذه الإدارة بينهم ، فتم إنشاء ثماني بلديات مستقلة في القرى.
ولما تولى الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حكم البحرين ( 1361- 1381هـ ، 1942 – 1961م) جمع حوله نخبة من المستشارين ومنهم أعمامه والأعضاء الكبار من آل خليفة والموثوق بهم ممن دأب على استشارتهم بصورة يومية تقريباً . وكان نظام المجلس الذي يعقده عنصراً حاسماً في سير أعمال النظام سيراً ناجحاً لأنه أعطى ميداناً يجرى فيه تبادل المعلومات سلبية كانت أم إيجابية. فكان الشيخ سلمان دائم الاستشارة قبل القيام بأي خطوة مهمة تؤثر على شؤونهم ، والواقع أنه بذل الكثير من وقته في هذه الاستشارات حتى أنه في السنوات الأخيرة من حياته شعر بأن هذه العملية البطيئة من المناقشات أصبحت عقبة مزعجة في طريق إحراز التقدم، بيد أنه ظل دقيقاً دائماً في تطبيق أعراف المشاورة واستمع بعناية واهتمام لما تقوله كل جماعة أو طرف، فكان يستمع في مجلسه الخاص إلى الانتقادات، والكثير من الأفكار غير التقليدية.
ويعتبر عام 1956م بداية الإصلاح الإداري في البلاد على يد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ، فقد أنشئ مجلساً إداريا معيناً من مدراء الدوائر والمسؤولين في الحكومة، وأوكل إليه إدارة الشؤون العامة في البلاد والتنسيق بين الدوائر . وقد أنشئ " المجلس الإداري" بإعلان رقم 19 لعام 1959م ، وكان يرأس المجلس نجل الحاكم الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، والذي يشغل الآن منصب رئيس وزراء البحرين، بعد أن شغل منصب رئيس مجلس الدولة عام 1970م، أي قبل استقلال البحرين.
كما تألفت في عهد الشيخ سلمان عدة مجالس وهيئات ( المجلس الإداري ، ومجلس الصحة ، ومجلس المعارف ، وهيئة الري ، والهيئة الاستشارية لقانون العمل) ومهمتها تقديم المشورة في القضايا الهامة والعامة.
وخلف الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة في الحكم ابنه الأكبر الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة ( 1381-1420هــ ، 1961- 1999م) ، وفي عهده أخذت وطأة نظام الحماية تخف مما أتاح مجالاً لحكومة البحرين من تطوير مؤسساتها الإدارية وإعطائها مزيداً من الاختصاصات ، فبعد أن كان المجلس الإداري لعام 1956م محدود الصلاحيات وله مستشار بريطاني ، أقيم مجلس الدولة في سنة 1970م. وهذا المجلس يعتبر الجهاز التنفيذي والإداري الذي يتولى تنفيذ السياسة الهامة للدولة وفق القوانين والمراسيم والأنظمة ، وهذا المجلس يعتبر الأقرب إلى مبدأ التفويض في النظام الديمقراطي . وتحول هذا المجلس فيما بعد إلى مجلس الوزراء في 15 أغسطس 1971م، وبصدور عدة مراسم منها، تغير لقب حاكم البحرين إلى أمير دولة البحرين، وبتبديل اسم مجلس الدولة إلى مجلس الوزراء، ورئيس المجلس إلى رئيس مجلس الوزراء، واعتبار أعضاء مجلس الدولة وزراء. وكلف مجلس الوزراء الجديد بأن يمارس جميع سلطات واختصاصات مجلس الدولة السابق، إلى حين وضع النظام الأساسي للحكم في الدولة، وبهذا أنشئ أول مجلس وزراء في تاريخ البحرين.
المجلس بداية الطريق التأسيسي
وفي 16 ديسمبر 1971م ، وبمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني لدولة البحرين، أعلن أمير دولة البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ، في بيان للشعب عن رغبة حكومته بتكليف مجلس الوزراء بوضع " مشروع دستور حديث متطور للبلاد" يكفل تطبيق المبادئ الديمقراطية السليمة. وتنفيذا لهذا البيان فقد عين أمير البلاد لجنة تحضيرية من أربعة وزراء ، كلفها بإعداد مسودة للدستور الجديد ، بمساعدة الخبير الدستوري لمجلس الأمة الكويتي. وبعد عدة اجتماعات دامت بضعة شهور أعدت اللجنة الوزارية مسودة دستور للبلاد وأوصت مجلس الوزراء بوضع خطة زمنية لدارسة مشروع الدستور من قبل المجلس المذكور ثم عرضه على المجلس التأسيسي لمناقشته وإقراره. وعلى ضوء هذه التوصية أصدر الأمير المرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1972م بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للدولة، والمرسوم بقانون رقم (13) لسنة 1972م بشأن أحكام الانتخاب للمجلس التأسيسي.
كما أن المرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1972م والصادر في 20 يونيو 1972م ، نصت المادة الأولى منه على : " ينشأ مجلس تأسيسي لوضع مشروع دستور للبلاد ، ويتألف من أثنين وعشرين عضواً ينتخبهم الشعب بطريق الانتخاب العام السري المباشر، ومن عدد لا يزيد عن عشرة أعضاء يعينون بمرسوم ، ويكون الوزراء أعضاء في المجلس بحكم مناصبهم".
أما المرسوم بقانون رقم (13) لسنة 1972م والصادر في 16 يوليو 1972م، فيتعلق بتنظيم أحكام الانتخاب للمجلس ، وجاء في المادة (8) منه بإجراء الانتخابات العامة للمجلس التأسيسي يوم الجمعة الأول من ديسمبر 1972م. وفي اليوم المحدد للانتخابات ، انتخب شعب البحرين 22 عضواً للمجلس التأسيسي ، وفي يوم 9 ديسمبر 1972م، أصدر الأمير مرسومين، الأول يقضي بتعيين ثمانية أشخاص كأعضاء في المجلس التأسيسي بالإضافة للأعضاء المنتخبين والثاني يدعو المجلس التأسيسي ( المكون من 22 عضواً و 8 أعضاء معينين ، و 12 وزيراً بحكم مناصبهم) للانعقاد يوم 16 ديسمبر 1972م ، وذلك بمناسبة العيد الوطني للبحرين ، وقد افتتح الأمير الجلسة الأولى للمجلس بكلمة سامية، وبعدها باشر المجلس أعماله منذ ذلك اليوم في مناقشة أحكام مشروع الدستور الذي قدمته الحكومة لأعضاء المجلس التأسيسي لإقراره بعد إدخال التعديلات الضرورية عليه.
وقد حددت مدة المجلس المذكور لإقرار مواد الدستور بستة شهور ابتداء من تاريخ أول جلسة في 16 ديسمبر 1972. وانتهى بالفعل المجلس التأسيسي من مراجعة وتعديل مشروع الدستور، مادة مادة، في 26 مايو 1973م، وقد تليت مواد الدستور المقترحة بعد التعديلات عليها في جلسة خاصة في 2 يونيو 1973م. وكانت أخر جلسة للمجلس – الجلسة الختامية- بتاريخ 9 يونيو 1973م. وقد عقد المجلس التأسيسي 45 جلسة ، منها 9 جلسات سرية لمناقشة اللائحة الداخلية للمجلس.
لقد سلكت البحرين مسلك الكويت في إعداد دستور دائم للبلاد ، فالدستور البحريني في نصوصه مستقى من الدستور الكويتي ، فهو مطابق له ومشابه من حيث الأحكام والمواد والصياغة الحرفية، مع فوارق طفيفة لا تكاد تذكر ، ويرجع ذلك إلى ان حكومة البحرين استعانت بالدستور الكويتي والاستهداء بمبادئه، وطلب مشورة خبرائه وما ينتج عنه وأعقبه من صدور مذكرة تفسيرية ووقائع تطبيقية أفرزتها الممارسة العملية في التطبيق أعانت على تنظيم الصياغة وإقرار الأحكام وسهلت للحكومة الطريق للبحث والدراسة والنقاش.
وبعد إنجاز عملية إعداد دستور البلاد، فقد واصلت قيادة البحرين الحفاظ على مبدأ مشاركة الشعب في تحمل المسؤولية جنباً إلى جنب مع قيادته - برغم الظروف الصعبة التي وجهتها البحرين في مرحلة ما بعد الاستقلال وإعلان قيام الدولة - وتنفيذاً لما جاء في الدستور، وإداركاً من القيادة السياسية في البلاد بأن إنشاء مجلس وطني ، هو من المطالب الشعبية الملحة التي وعدت بتنفيذها، أصدر الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير دولة البحرين في 11 يوليو 1973 م مرسوماً بشأن أحكام الانتخاب للمجلس الوطني، وجاء في المادة الأولى من هذا المرسوم : " بتأليف المجلس الوطني من ثلاثين عضواً ، ينتخبهم الشعب بطريق الانتخاب العام السري المباشر ، ويكون الوزراء أعضاء في المجلس الوطني بحكم مناصبهم". 114 مرشحاً يتنافسون على مقاعد أول مجلس وطني وشهد صباح يوم الجمعة السابع من ديسمبر عام 1973، بدء العملية الانتخابية، حيث تنافس 114 مرشحاً على ثلاثين مقعداً ، وكان المرشحون يمثلون كافة فئات واتجاهات الشعب البحريني. وبلغ عدد الذين سجلوا أسماءهم في جداول الناخبين 27 ألف ناخب مقارنة بنحو 22 ألف ناخب في انتخابات المجلس التأسيسي. فبقدر إدراك الحكومة لأهمية وجود مجلس وطني لاستكمال المسيرة الديمقراطية في البلاد، كان هناك إقبال من الشعب على العملية الانتخابية.
وبعد أن اكتملت صورة المجلس الوطني وتمت تسمية أعضائه عبر انتخابات عامة، أصدر أمير البلاد في 10 ديسمبر 1973م، موعداً لدور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الأول . وبناء ً على ما تنص عليه المادة رقم (33) من الدستور، تقدم رئيس الوزراء باستقالة الحكومة في 11 ديسمبر 1973م إلى الأمير . وصدر في اليوم ذاته الأمر الأميري بقبول الاستقالة . واستكمالا للإجراءات الدستورية، أصدر أمير البلاد في اليوم التالي (12 ديسمبر ) أمراً أميرياً ، كلف بمقتضاه الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة برئاسة الوزارة الجديدة . وقبل مرور 72 ساعة على إعادة تكليفه، رفع رئيس الوزراء إلى أمير البلاد رسالة تشكيل الوزارة الجديد.
ويعتبر يوم الأحد السادس عشر من ديسمبر عام 1973م ، هو البداية التاريخية لبدء التجربة النيابية في البحرين، حيث عقد المجلس الوطني أول جلسة له في هذا التاريخ، حيث قام أمير دولة البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بإلقاء الخطاب الأميري بمناسبة افتتاح المجلس الوطني . بعد ذلك ألقي رئيس الوزراء كلمة شكر ، ثم بدأت على أثرها المرحلة الإجرائية ، حيث أدى رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة والمجلس الوطني اليمين الدستورية، وذلك تمهيداً لبدء اجتماعات المجلس. وفي يوم الأحد 23 ديسمبر 1973م. عقد المجلس الوطني أولى جلساته العملية. ولم تمر سوى بضعة أسابيع، حتى ظهر واضحاً أن وقائع هذه الجلسات تمر بفترات من الأخذ والرد والشد والجذب ، والمناقشات البعيدة عن الموضوعية. وأستمر الأمر على هذا الحال ، حتى حان موعد نهاية انعقاد الفصل التشريعي الأول للمجلس الوطني في 30 يونيو 1974م. واستكمالاً للمسيرة الديمقراطية ، بدأ المجلس الوطني دور الانعقاد العادي الثاني في الفصل التشريعي الأول ، وذلك في صباح يوم الأربعاء 22 أكتوبر عام 1974م. وقام أمير البلاد بافتتاح أولى جلسات هذا الدور أيضاً. واستمرت اجتماعات المجلس تشهد قدراً من السخونة التي تصاعدت حدتها تدريجيا حتى صدور المرسوم الأميري في 23 يونيو 1975م، بفض دور الانعقاد الثاني للفصل التشريعي الأول للمجلس الوطني، إلا أنه إزاء الخلافات التي نشبت وتفاقمت بين الحكومة وبعض أعضاء المجلس والتي هددت استقرار الوضع السياسي وسير شؤون الدولة. وبعد أن وصلت محاولات تسوية هذه الخلافات إلى طريق مسدود، لم يجد رئيس الوزراء بداً من أن يتقدم باستقالة الوزارة إلى أمير البلاد في 24 أغسطس عام 1975م، واضعاً في اعتباره وهو يقدم هذه الاستقالة أن يحفظ للديمقراطية هيبتها. وقد جاء في خطاب الاستقالة : " إن الوزارة أخذت على عاتقها استكمال التشريعات الضرورية اللازمة لمرحلة الاستقلال ... ولكن الوزارة لم تجد في المجلس الوطني عوناً لها في ذلك، رغم محاولاتنا المخلصة التي بذلناها خلا ل عامين ، إذ سادت مناقشاته أفكار غريبة عن مجتمعنا وقيمنا...واتجهت إلى الإثارة والإهاجة والتحريض والمزايدة، وعملت على بث الفرقة وروح الكراهية ، غير مقدرة للضرر الذي يعود على الوحدة الوطنية من جراء ذلك". ودأب بعض الأعضاء على زرع العراقيل والمشاكل داخل المجلس ، في الوقت الذي كانت فيه البلاد حكومة وشعباً في أمس الحاجة للتماسك والتكاتف . فلم يكن قد مضى على استقلال البلاد سوى فترة قصيرة. وكان من الأولى تكثيف الجهود لتحديث النظام الإداري، ولتنشيط الاقتصاد الذي كان في حالة ركود . ولقد وصلت العلاقات في الأيام الأخيرة بين الحكومة والمجلس الوطني إلى أن يقف بعض أعضاء المجلس، وبشكل شبه دائم، ضد أي اقتراحات تقدمها الحكومة، وذلك من منطلق اعتقادهم بأن الديمقراطية هي أساساً الاختلاف مع الحكومة.
أن البحرين كانت تمر في هذه الفترة بظروف بالغة الصعوبة، فقد كان الطامعون في النيل من الاستقلال البلاد وسيادتها ما زالوا يتربصون بها، ويتحينون الفرصة للتدخل في شؤونها ، فراحوا يزكون نار الفتنة، أملاً في أن تتيح لهم هذه الأحداث فرصة تحقيق ما سبق أن فشلوا في تحقيقه. وعلى هذا الأساس، وإدراكاً من أمير البلاد لضرورة تجاوز تلك الأزمة في أسرع وقت ممكن ، فقد أصدر أمرين متلازمين في نفس اليوم الذي تقدم فيه رئيس الوزراء باستقالة الحكومة الأولى يقضي بقبول الاستقالة. أما الثاني فيعني بتكليف الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة بتشكيل وزارة جديدة للبلاد. وقد فوت هذا الأمر الفرصة على الطامعين والعابثين. وفي 25 أغسطس 1975م، أرسل رئيس الوزراء إلى أمير البلاد بمقترحات تشكيل الحكومة الجديدة. كما انه في 26 أغسطس عام 1975م أصدر أمير البلاد بمرسوم الأميري رقم 13 لعام 1975م. والذي تضمن الأمر بحل المجلس الوطني. وقد كان قراراً صعباً على الجميع ، قيادة وحكومة وشعباً.
وبالرغم من قصر المدة التي مرت بها تلك التجربة البرلمانية والتي استمرت فصلين تشريعيين أي منذ افتتاحه في 16 ديسمبر 1973حتى نهاية 1975م، أي أنه استوفى نصف المدة المحددة له بأربع سنوات، فلا يمكن اعتبارها من الأحداث والأمور الطارئة والمتتابعة التي تمر بها البحرين وهي في خضم مسؤولياتها لبناء الدولة المقبلة على هذا النحو.
وبرغم إحساس المواطنين بعدم وجود حواجز بينهم وبين قيادتهم السياسية، إلا أن الحكومة ارتأت أن توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في عمليات إبداء الرأي وأخذ المشورة في كل ما يهم هذا البلد من قضايا وأمور، بعد إضافة جديدة للديمقراطية، ويزيد من فرص التوصل على أفضل أداء ديمقراطي. وعلى هذا الأساس صدر في 20 ديسمبر 1992م، أمر أميري رقم (9) لسنة 1992م بإنشاء مجلس الشورى بغرض معاونة الحكومة بالرأي والمشورة ليكون خير معين لها على تحقيق الآمال وبلوغ الأهداف . ويتألف المجلس من ثلاثين عضواً ويراعي في اختيارهم أن يكونوا من ذوي المكانة ومن أهل الرأي والمشورة. ومدة المجلس أربع سنوات قابلة للتجديد بأمر أميري.
كما صدر في ذات اليوم 20 ديسمبر 1992م أمر أميري رقم (10) لسنة 1992 م ، بشأن النظام الداخلي لسير العمل في مجلس الشورى . كما أنه صدر أمر أميري رقم (14) لسنة 1992م، بدعوة مجلس الشورى للانعقاد في يوم 16 يناير 1993م، على أن تنتهي هذه الدورة في 31 مايو 1993م . وبالفعل بدأ المجلس أولى جلساته في يوم السبت 16 يناير 1993م ، بافتتاح رسمي من قبل أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، والذي افتتح جلسته الأولى بخطاب سامي .
وفي خطوة أخرى لتطوير نظام مجلس الشورى البحريني الذي أتم دوراته الأربع سنوات في 31 مايو 1996م في 11 سبتمبر 1996م. حيث بدء دور الانعقاد الخامس للمجلس بثوب جديد، حيث صدر أمر أميري رقم (12) لسنة 1996م، حيث جاء في مادته الخامسة، بزيادة عدد أعضاء مجلس الشورى إلى أربعين عضواً بدلاً من ثلاثين ، لضمان التمثيل الأشمل للمجتمع في المجلس وعملاً على توافر عدد أكبر من الأعضاء من ذوي الخبرات والكفاءات والاختصاصات التي تفي بخدمة متطلبات التنمية الوطنية . كما جاء في الأمر الأميري رقم (12) لسنة 1996م المادة (2و3) بزيادة اختصاصات المجلس وأعطى لأعضائه صلاحيات اكثر عما كان عليه في دوراته السابقة.
 
 
(بتصرف من رسالة الدكتوراه "إطار مقترح للتنظيم الإداري لمجالس الشورى في دول الخليج العربية(دراسة مقارنه)" للدكتور عبدالناصر محمد جناحي)